- حدثت نفسي وأنا أتصاغر أمام هذا الحديث في عين نفسي وأخجل. قلت: كأني بربي جلّ جلاله يُدَلّلني، وكأنه وكَّل بي ملكاً من ملائكته يأمره، دلل عبدي المذنب الخطاء فلاناً وسارع فيما يكرم قلبه!!. أنا لا يمكن أن أطمح وأطمع من التكريم في هذه الدنيا بأكثر من هذه العواطف ومن هذه الأريحيات، ومن هذه الوجوه المقبلة عليّ بخفقات قلبها، وأن أُكرم بأكثر مما أكرمني به أخي الحميم الكريم الودود الرؤوم الأستاذ الشيخ عبد المقصود خوجه الذي تفرض طلعته محبته، ويختصر إشراق قلبه وثغره، يختصر الزمن بينه وبين من يلقاه، فيتعمق الود أسرع من الزمن، والحب في الله والتآخي فيه مقام خصه الله سبحانه وتعالى بمنابر النور يوم القيامة.
- الأستاذ عبد المقصود خوجه اسمه ملء الأسماع، يذكرني بأن لقاءات كانت بيننا مع عزيزين غاليين، هما الآن في جوار الله، ونسأله تعالى أن يجمعنا بهما في الفردوس الأعلى تحت لواء سيد المرسلين، هما الأستاذ مصطفى السباعي؛ والأستاذ محمد المبارك.
وبمناسبة الارتجاج الذي اعترى تلك الشخصية الشهيرة في إلقاء كلمته فقد كان موضع تساؤلنا فيما بعد، ولفت نظرنا، حتى علمنا ممن كان معنا أن نوري السعيد لم يكن خطيباً ولم يتعود على الارتجال، فقد كانت تربيته وتعليمه في المدارس التركية، ومن أجل ذلك عرف عنه ما أشرت إليه، وقد حدثني بهذه الظاهرة أحد زملاء نوري باشا السعيد فقال: إن نوري كان فعالاً لا قوالاً، وإنه كان يرتبك في كلامه إذا اقتضت الحاجة أو الظروف إلى أن يتكلم ويطيل أمام جمع من الناس، حتى إنهم يذكرون أنه عندما كان في معية فيصل بن الحسين يوم نودي به ملكاً على سوريا في نهاية الحرب العظمى الأولى، جاءت مظاهرات شامية صاخبة تحيي الملك في قصره بمحلة "المهاجرين" من دمشق، وأخذ الملك يطل على الجموع التي كانت تحييه وتهتف له حتى رأى أن يستريح من هذه المهمة، فطلب من نوري باشا أن يخرج إلى الشرفة، ويلقي كلمة شكر على الجماهير الملتفة حول القصر، فخرج نوري إلى الشرفة وأشار بيده للجمهور أن يستمع إلى ما سيلقي عليهم، فلما أنصت الناس له بدأ خطابه بقوله:..