إنَّ شاعريةَ معالي أستاذِنا حسين عرب، لم تتوقفْ بأعمالِه الكاملةِ التي نشرهـا منذ عـام 1406هـ.. ذلك أنَّ السنواتِ اللاحقةَ قد حملتْ في جَعْبتِها الكثيرَ من الأحداث، وملأتْ ساحتَنا بإفرازاتها المتنوعة، منها ما تَشِيبُ من هوله الولدان، ومنها ما يُلقي بصيصَ ضوءٍ على خُطا مسيرتِنَا في عالمِ التناقضاتِ والكيلِ بمكيالَيْنِ دون حياءٍ أو وازعٍ من ضمير.
ولست بصددِ التحدث عن شاعريةِ ضيفِنا الكبير، فبيننا من هو أقدرُ مِنِّي على شَقِّ حَبابِ تلك الروائع، والغوصِ بين لآلِئها وشعابِها المتنوعةِ بكلِّ ألوانِ الطيفِ التي اشتملت عليها، غيرَ أنَّنِي أستطيعُ تأكيدَ رغبتي في نشرِ عطائه الجديد ضمن [كتاب الاثنينية] فمثل إبداعاتِ شيخِنا جديرةٌ بالعنايةِ والاهتمامِ لأنهَّا قادرةٌ بذاتِها على كتابةِ الخلود لنبضِها الذي لا ينفَك عن نَبْضِ الشارع، وملحمةِ الوجدان، اللذين يشكلان الملهمَ الأَوَّلَ لشاعريةِ ضيفِنا الكبير.
ولا أُضيفُ جديداً عندما أشيرُ إلى الدورِ الكبيرِ الذي يقومُ به ضيفُنا تجاهَ مجتمعِه، وريادتِهِ في المحافلِ الرياضيةِ والأدبية، وعملِهِ كرجل دولةٍ خلالَ مرحلةٍ هامةٍ في تاريخِنا المعاصر، وليسَ بمستغربٍ تتويجَ كلِّ ذلك بوسامِ الملكِ عبد العزيز. فقد نَذَرَ نفسَه لخدمةِ وطنِهِ ومواطنيه من موقعِهِ كأديبٍ وشاعرٍ متفرد، خاضَ الكثيرَ من التجاربِ الناضجةِ ليُخرج لنا أعمالاً تتزَّينُ بالحكمةِ والرصانة، جامعاً بين عنفوانِ الشبابِ ورزانةِ الشيوخ. بالإضافةِ إلى مواقعه الوظيفيةِ المتعددةِ في خدمةِ وطنِهِ من بدايةِ سُلَّمِها إلى أعلى قِمَّةٍ لها.
وتلاحقت الأيام وتتابعت، وأخذت أخبار عبد العزيز الرفاعي الواردة إلى أحبته في السعودية تأخذ حيزاً كبيراً من اهتمامهم وأصبح هاتفه في منزله في "آخن" مشغولاً، فما إن يضع السماعة بعد أن أجاب على مكالمة أحد أصدقائه الذين يريدون أن يطمئنوا على صحته حتى يرن الهاتف من جديد فيرفع السماعة ليجيب مستفسراً آخر يسأل عنه وكيف أصبح؟ وفي نهاية كل مكالمة هاتفية من صديقه المهاتف، يذكّره أن لا ينساه من الدعاء، ويبدو من نبرات إجاباته على أسئلة السائلين، كأنه يقترب من العافية، وان الداء يجمع حقائبه ليرحل، بعد أن فقد قوة الاحتمال على الاستمرار تحت وطأة استعمال الأدوية الكيماوية والأشعة فوق البنفسجية وما صاحب ذلك من العقاقير الطبية.
ولم يدرك السامعون وهم يصغون إليه وهو يحدثهم بصوته الواضح، وكلماته البينة، أنه هو الذي يشد الركاب ليرحل ولكنه لا يريد أن يبدو ضعيفاً، رغم أنه يقاسي أشد أنواع الألم، لأنه نشأ قوياً يصارع الفقر ويقاوم الضعف، ولم يرض بالخضوع، بل عاش أنفِاً كريماً غيرَ شرس يأخذ الحق بلا تجاوز، ويحلم عن المسيء في غير لين ولا ضَعف. وهكذا عاش وعرف بين أهله وأنداده.