إن ضيفنا الكبير صاحب رسالة، استطاع أن يُحدِّد أهدافها بوضوح، وعمل جاهداً ما استطاع لخدمة مجتمعه والمجتمعات الإسلامية كافة على هُدى من نور العلم الذي استقاه من الكتاب والسنة، وما حصَّله من علوم طبَّية حديثة، وَقفتْ كلها شاهدة على عظمة الدين الإسلامي، وسموِّ تعاليمه التي تَصل بأي مجتمع إلى أقرب مراقي الكمال الإنساني تحقيقاً لقوله تعالى: كُنْتُمْ خَيرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ... إن كل قضية ناقشها ضيفنا الكبير في أيٍّ من كُتُبِه جاءت نتيجة معاناة، واستخلصها من نسيج الوقفات المتأنية التي ارتادها متأملاً في كثير من المراجع وأُمهات الكتُبِ، ومحصلة أعداد وفيرة من الدراسات والبحوث... ولا أقول إنه جاء بعمل غير مسبوق في مجمل أعماله وكتاباته، ولكني أستطيع أن أُؤكد مساهَمته الفاعلة في ترسيخ بعض المفاهيم والقيم، والدفع ببطلان بعض التوجهات التي يرى أَنها غيرُ صائبة، وربما تُضِرُّ بالمجتمع، وعلى سبيل المثال فإنَّ ما كتبه بشأنِ عمل المرأة يستحقُّ أن نُلقيَ عليه بعض الضوء في هذه العُجالة، سِيَّما وأن البعض يرى أن المرأة نصفُ المجتمع، ويرى غيرهم أنها كُلُّ المجتمع، لأنها تَلدُ النصفَ الآخر... وقد كان ضيفُنا الكبير محقاً ومُنْصِفاً للمرأة في كتابه المذكور، عِلْمَاً بأن طبعته الأولى قد صدرت قبل ستة عشر عاماً، وهي فترة زمنية لا تَعني شيئاً بالنسبة لعمر العادات والتقاليد الاجتماعية، وبالتالي فإن الكتاب بكل أفكاره ورُؤاهُ يُعتَبرُ غَضَّاً طرياً، وما زالت المشكلة التي عالجها تؤرْقُ الكثير من المجتمعات الشرقية والغربية...
كان لأخينا الأستاذ السيد نهاد القاسم بنت في سن اليفوعة اسمها "ريمة"، وكان هو وأمها ولوعين بها أشد الولوع. فأصيبت بالتهاب الزائدة المعوية بصورة مفاجئة حادة قضت على حياتها في يوم وليلة وكان ذلك في شهر ذي الحجة قبيل عيد الأضحى من سنة/ 1363هـ= شهر تشرين الثاني/1944م وهي أول سنة من مجيئي إلى دمشق أستاذاً في كلية الحقوق من الجامعة السورية وقد كان توفي لهما قبلها طفل اسمه مروان. وقد أخذ الحزن به وبزوجه مأخذه على فقد ابنتهما، ورغب إليَّ في أيام التعزية أن أصنع قصيدة على لسانه تتضمن مناجاة لابنته الفقيدة، وإعراباً عن مشاعره ومشاعر والدتها، فصغت في ذلك القصيدة التالية وقدمتها إليه، فكانت ترنيمته الدائمة إلى أن رزقهما الله تعالى خلفاً عنها بنتاً أسمياها ناهدة: