والاثنينية عندما ترحب وتحتفي بمعالي الأستاذ الشيراوي، إنما تحتفي بمثقف كبير عرك الحياة، وأعطى الثقافة بُعْدَها العملي، وهذه نقطة على درجة كبيرة من الأهمية، لأن بعضاً من المثقفين، بكل أسف، ينظر للثقافة على أنها تَرَفٌ فكري، فيحشو ذهنه بما تيسر من معلومات شتى، يحتفظ بها لاستخدامها عند الضرورة، في الوقت الذي تجد تصرفاته ومعاملاته في الواقع العملي لا تمُتُّ إلى عناصر ثقافته من قريب أو بعيد.
ضيفنا أيها الأحبة من الرعيل الأول، الذي عرف قيمة الكتاب، وحلاوة الظَّفَر بالمعلومة، وتوظيف تلك المعلومات بعد إخضاعها للظروف البيئية، حتى تخدم أكبر عدد من الناس، وتجعل حياتهم أكثر متعة وفائدة، ومن هذا المنطلق اتجه في بداية حياته العملية، نحو سلك التعليم، وهو من أهم مجالات التنمية البشرية، التي تمثل الوقود الحقيقي، لأيِّ تنمية أخرى، ومن ثم انتقل إلى حقل شؤون التنمية في معناها الواسع، اقتصادياً وحضارياً واجتماعياً.
ولقد ألف الشيخ رحمة الله كتاباً مشهوراً هو: "إظهار الحق" فند فيه هجمات علماء النصارى ومغالطاتهم، التي جمعها القسيس المبشر البروتستانتي "بفندر" في كتابه "ميزان الحق"، وضلل به الكثير ممن اطلعوا عليه يومئذ، ولما ظهرت الطبعة الأولى من كتاب "إظهار الحق" للشيخ رحمه الله علقت صحيفة (London of times) – "لندن أوف تايمز" الإنجليزية قائلة: (لو دام الناس على قراءة هذا الكتاب لتوقف نشر الدين النصراني إلى الأبد).
وفكرة نشر هذه الكتاب كان صاحبها والمشجع عليها، السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، فقد وصلت إليه الإشاعات التي أطلقها المبشر "بفندر" بعد أن وصل إلى تركيا أن الهند تنصرت، ولن تقوم للإسلام قائمة، وأنه غلب في مناظرة عالماً كبيراً من علماء المسلمين، وخشي السلطان عبد الحميد على مستقبل الإسلام، فأرسل إلى الحجاج الهنود في مكة المكرمة، يسألهم عن قصة هذه المناظرة، فردوا عليه بأن الشيخ رحمة الله هو طرف هذه المناظرة، وأنه موجود في مكة المكرمة يومئذ، يدرس في المسجد الحرام، فأرسل السلطان يدعوه إليه..